Skip to main content

Aqlam Jadidah Journal

Go Search
Aqlam Jadidah Journal
  
Aqlam Jadidah Journal > Articles  

Articles

Modify settings and columns
Articles
  
View: 
Sort by AttachmentsUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
ArticleDetailsFilter
قضبان الحريةUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
إلى الرفيق و . ع ، تحيةً طيبةً وبعد ..
     نرسل إليك قلوبنا لتدفئك في برد الليل القارص ، وعقولنا لتنير دربك الدامس ، و نتمنى لقيآك في أقرب وقت ، فقد تركت مكاناً لن يملأه أحد بعدك ، نستحضرك في كل اجتماعاتنا ، نسمع تعليقاتك اللاذعة بعد كل بيان أو قرار حكومي ، ما زال كرسيك فارغاً كما أسلفت ، لكن قلمك ما زال حاضراً على طاولة الاجتماعات ، تصور يا رفيقي نقرأ اسمك حنيناً في قائمة تفقد الحضور كل اجتماع !ونكاد نسمعك تعلن وجودك ب" لا نعم " - كما عودتنا - ! تعلم أننا لا نلومك على بعدك ، فالقرار ليس قرارك ،نستشعر ألمك ، فك الله قيدك وأعمى عنك عيونهم، ولن أوصيك بالحذر ، فأنت أعلم بضيق المكان عندك ، فالعيون ترصدك ،و الكلاب تتبعك ، كان الله في عونك ، وأعادك إلينا ؛ لتعود إليك .
من خلف القضبان
رفيقك في السبيل
ق.م
سونا بدير
تكريمUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
اجتمعت اللجنة الإدارية للشركة اجتماعا طارئ إثر كتاب رسمي من مالك الشركة، فبرر رئيس اللجنة ذلك الاجتماع قائلا:
قرر مالك الشركة إقامة حفل تكريمي بمناسبة مرور 60 عاماً على تأسيس الشركة ، و اجتماعنا اليوم يهدف إلى اختيار الموظف الأنسب للحصول على درع الشركة ، ولنتذكر أن مالك الشركة إشترط أن لا تقل خدمة الموظف عن50 عاماً ، و أن لا يكون قد تولى أي منصب إداري ..
- إن ذلك يضيق أمامنا الخيار ويجعلنا في حيرة كبيرة ، فكيف لنا أن نعثر على موظف غير إداري يستحق التكريم !
- أستطيع بصفتي مدير شؤون الموظفين أن أحصل على أسماء من تنطبق عليهم هذه الشروط ..
وبعد مرو بضع دقائق طرق موظف الباب جالبا معه قائمة بأسماء من تنطبق عليهم شروط المالك .
- كيف لنا أن نمايز بينهم ونحن لا نعرف إلا أسماءهم ؟
- الطريقة سهلة ألم تتعلم القرعة و أنت صغير !
و بعد لعبهم القرعة ، وقع اختيارهم على أحمد الأحمدي ، ثم انتقل إهتمامهم إلى ترتيبات الحفل ومستلزماته وتحديد موعده ..
وفي اليوم المرتقب اجتمعت اللجنة الإدارية في القاعة المعدّة للحفل للتأكد من الترتيبات فكانت القاعة معدة إعداد العروس يوم زفافها ؛ الستائر السوداء المخملية مسدلة مبرزة للإنارة الصفراء الخافتة المسلطة على المنصة ، والكراسي سوداء مخملية مذهبة الأطراف مرقمة ليجلس كل واحد في مكانه الذي يتناسب و وضعه في الشركة ، ونال أحمد الأحمدي حظ الأسد فتوسط كرسيه الصف الأول بجانب اللجنة الإدارية ، و ما كادت ساعة الصفر تدق حتى بدأ الموظفون بالتوافد ، ثم اعتلى أحدهم المنصة ليقرأ البيان الرسمي الذي ينص على تكريم أحمد الأحمدي ، ثم تكلم عن إنجازات اللجنة الإدارية ومراحل تطور الشركة ، ثم تكلم عن سيرة أحمد الأحمدي فقد خدم الشركة 59 سنة دون أن يأخذ يوم إجازة واحد ، ثم دعا الحاضرين لتناول وجبة العشاء في القاعة المجاورة ، و في تلك القاعة التقطت الصور التذكارية،ونوقشت القضايا المحورية .. ، تسلل بعض المدعوون بعد إنتهاء العشاء عائدين إلى بيوتهم ، و عاد الباقون إلى قاعة الإحتفال فاعتلى مقدم الحفل المنصة و وجه نداءً إلى أحمد الأحمدي ليستلم درع الشركة ، و انتقل الضوء من المنصة إلى الكرسي المخصص لأحمد الأحمدي ، تلفت الحاضرون يمنة ويسرة وعلت التمتمات ، لم يكن أحمد الأحمدي متواجداً في مقعده خرج المدعوون والدهشة تكسو وجوههم اجتمعت اللجنة الإدارية و الغضب يتطاير من أعينهم .
- لا بد أن نعاقبه لنأدب به باقي الموظفين .
- إنه يهزؤ بنا و بجهودنا ..
- إن حرمانه من العلاوة السنوية هو الحل الأمثل ..
كُتِب القرار و وقع عليه أعضاء اللجنة لم يبقى إلا الختم ليُفعّل القرار ، بحث أعضاء اللجنة عن الختم الذي اختفى بين القرارات المتناثرة على طاولة الاجتماعات ، تقع عيونهم على الختم ، تتسع العيون ، و ترتسم ابتسامة بلهاء على الوجوه ، فقد تربع الختم على إحدى دعوات الحفل وقد ضلت طريقها إلى يد صاحبها ، وكتب عليها بحبر ذهبي (إلى السيد الأكرم أحمد الأحمدي ) !
سونا بدير
تشكيلات سحابيةUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
قبل بدء حصة التربية الفنية التي كنت أكرهها كبقية الدروس بطبيعة الحال، وضع الأطفال أقلامهم الملونة على المقاعد أمامهم بشكل متناسق. ووضعوا ممحاة وقلم رصاص بشكل متناسق أيضا. كانوا فرحين بانتظار حصة الرسم. تستطيع أن تدرك ذلك إذا ما نظرت إلى وجوههم وهم يُعدِّون الأدوات، فقد بدوا وكأنهم يجلسون حول كعكة العيد، استحموا لتوِّهم، مُمشطين شعورهم، ومكتِّفين أيديهم، ينتظرون أُمهم أن تقسمَ لهم، يبلعون ريقهم ويُحدِّقون بحبة الكرز التي تتوسط الكعكة ليتها تكون من نصيبهم. ثم كان من معالم البهجة أيضا أن تجمعوا حول أحد الطلبة الذي جلس في مقعده. يضع أمامه عُلبة ألوان فاخرة باهظة الثمن. ربما ثمنها نصف دينار! أو أكثر!. أحد الأطفال فتح عينيه كثيرا وقال وآآو..ونسي فمه مفتوحا وهو يتأمَّلها. ثم فتح الأطفال دفاترهم على صفحات بيضاء. وأخذوا يفكرون ماذا سيرسمون..ماذا سيرسمون..؟! أحدهم قال إنه سيرسم البحر الذي ذهب إليه  فيما مضى. وآخر قرَّر بكل حزم بعد أن أخذ وقته بالتفكير واضعاً إصبعه على خدِّه، أن يرسم باقة الورد التي أهداها أبوه لأمه.. دون أن يرسم القُبلة طبعاً. إلا أنَّ المعلم قطع حيرة الجميع وطلب منِّا أن نخرجَ إلى الساحة ونتأمل السماء، حيث نهاية الشتاء وأوائل الربيع، والسحاب يتشكل بسهولة كأنه في قبضة فنان ثم يمضي عابرا خفيف الظل، يحثُّ الخطى إلى بلادٍ أُخرى يقدم بها نفسه قربانا للتلال والمروج.
- كلُ واحدٍ منكم يرسم ما يراه في تشكيلات السَّحاب.  قال المعلم.
 وفي نهاية الحصة، أنهت ميسون الطفلة الرقيقة ذات الشعر الأسود الداكن والعيون البرَّاقة رسم حصانٍ لوَّنته بالبُني، له جناحان زرقاوان يُحلِّق بهما مثل عصفور فرح. ورسمت وجها ضاحكا، وحبَّاتٍ من الحلوى، وزهرية حمراء. ورسم سامر الطَّفل الذي يعيش بالمنزل الكبير، حمامةً مُلونة، تفرد جناحيها، وفراشات تطير، لوَّنها بالألوان الفاخرة، وكعكة كبيرة. قال بأنه سيشتري مثلها يوم عيد ميلاده. أما أنا فرسمت بقلم رصاص، فقط،حيث لا أملك ألوانا؛ وجهاً لشيطان له قرنان، وبالقُرب منه كانت الغيمة أشبه ما تكون بشيءٍ مثلَ صُندوقٍ لتلميع الأحذية ورسمت تشكيلاً يُشبه رجلاً غاضباً، ينهرني، ثم يضربني بسوطٍ يلتفُّ علي فيلسعني.
عثمان مشاورة
ثوب الحبUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
-1-
قد يلبس الإشفاقُ ثوبَ الحب ِ
قد تتعطر الذكرى برائحة الغدِ الأحمقْ...
قد تولد الليلاتُ من كنف الضياءِ وقد يكون الكون قبعة ً تحدق في المدى المطلقْ
قد يهرب الاعصار من خجل البراعم ِ
قد نشي بدمائنا إن حان وقت الأسئلة
قد يذعن الموت البليد أمام بسمة طفلة للقنبلة
ما زال وجه الشعر غضاً...
والمسافة بيننا أقصى وأدنى ما تكون كمعضلة
كم حطَّ موت فوق أكتافي فعاتبه القصيدُ وأجله

-2-
وحدي أنا...
لا دمعتي نسجت خيوط الشمسِ ِ...
لا شعري تناثر كالدماءِ ملطخاً وجه الحرابْ
وحدي على هذي الدروب أشد أكفاني وأستقصي السرابْ
لا سيف في هذي الدروب ولا كتابْ
لا حبَّ في لغة تؤذن بالخرابْ
صبري تآكلَ
لا الحروف تشدني ...
لا شمعتي تختال قبل الموت ِ...
أدمنت السؤال َ ولا جوابْ
ماذا يكون صراطُ من عرفوا وخانهم الترابْ
ماذا عليهم لو تراءى الكون أبواباً ؟
 وهذا الكون أبوابٌ ...
فأين الآن ؟
 كيف نرى ؟
 ونلقى حبنا من أي بابْ ؟
أيكون باطنه العذابْ ؟
أتُقطَّع الأسبابْ ؟
أيكون سيف الموت بعد التيه منتظراً عناقيد الرقابْ ؟
إني على باب الرجاء متيمٌ ...يا سيد الأبوابْ
يا سيد الأبوابْ
شرب الترابُ أناملي ...
عينايَ تحترقان شوقاً ...
حيثما أنبتُّ أحلامي تغشَّاها اليبابْ
وحدي أضم رؤاي في مدن الضبابْ
وأحيك إشراق الصباحِ وبسمة الأوطان من غضب المآذن والقبابْ
ماذا تبقى ؟... كلما نقصت حروفي كلما اكتمل النصابْ
 
أسامه غاوجي
من حكمة الياء أم من سبقة الألفUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
من حكمة الياء أم من سبقة الألف
يا شعر غذيتني بالجوع والأنف
علمتني أن أروض العشق في رضا
ألست تعلم؟ بعض العشق في الأسف
وكيف لا؟ أنت منذ البدء قافلة
يقودها الأحسن المسكين في رهف
كأنك الرمل في الصحراء يشهدنا
أن الرمال رميم الشعر والصلف
كأنك البحر ثورات على دمه
وليس يعبره الا أولي اللهف
كأنك اليوم مثل اليوم ليس يفي
كأنك الأمس مثل الأمس ألف يفي
كأنك الليل والصعلوك محتضنا
معنى التغرب بين الدون والترف
كأنك المتنبي حانقا حذقا
"ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي"
كأنك العزم عز الأمر في يده
وليس تعنيه شيئا حبكة الصدف
يا حادي الشعر، إن الشعر، فلتقف
على الديار ديار الأمس واغترف
وعلّق الآه في الأرجاء ذاكرة
تبين الدرب للساري بلا هدف
وبعض سيري مع الأشعار دندنتي
وبعضه ندبتي أخشاه إن أصف
ودونه لست ميتا باردا خرفا
لكنه القسر يملا الغضّ بالخرف
يعطيه زهرة أحلام مزركشة
ويسلب العمر بين الشعر والكتف
أجمل بها سلبة للعمر وارق بها
بالشعر من يتنفس شوبه لكُفي
** **
حسن بسام
"خطوةٌ إلى القُدس"Use SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
أشرَقَ السَّطرُ في كتابِ الزَّمانِ
وتجلَّى في عَتْمةِ الرُّوحِ حتَّى
وَعْدُ ربِّي يا قُدسُ أَنْ نتلاقَى
فارتدي ثوبَكِ المطرَّزَ بالمجْـ
واسكُبي نشوةَ اللِّقاءِ على حُز
وتَعالَي نرقُبْ على تَعَبينَا
أشرَق الصخر في الأكف فماجَ الـ
ورمى بالشِّباكِ صيَّادُ عكَّا
فاسمعي للظمآنِ يحلِفُ ألَّا
واحمِلي للكُرومِ بعد التَّنائِي
وتمنَّي عليهِ فالصُّبحُ يدنُو
واهزُجي بالتَّرويدةِ البِكرِ للنصْـ
في كتابِ الرُّجوعِ خبَّأ شمساً
ولنَازِيَّةِ "الجِدارِ" تصدَّى
أنكرَ النَّاس لهفَتي واندِفاعي
أَوَلَمْ تأتِنَا التَّباشيرُ بالفتْـ
إن أضاع الرّاوي المداخِلَ تروي
فاطمئنّي إلى اكتمالِ سُؤالي
حامِلاً نزْفَ رِيشَتي وجَنانِي
أشعلَ الفجرَ مِن بُروقِ المَعانِي
فتفُوزَ الأَحضانُ بالخَفَقانِ
ـدِ على الأيامِ وعِقدَ الأَمانِي
نِ حواريكِ واستَعيدي الأَغانِي
أنجُمَاً كنعانيَّةَ اللَّمعانِ
ـغضب اليافَوِيُّ بالأُقحُوانِ
وأَضاءَ الخليلَ صوتُ الأَذانِ
يرتَوي إلَّا حينَ تلتقِيانِ
شوقَ نهرِ الوِصالِ للجَريانِ
والثَّوانِي تفرُّ مِنها الثَّوانِي
ـرِ فقدَ مَلَّ عِيشةَ الذَّوبانِ
وشراراً ونَغمَةَ الكَرَوانِ
ليلُفَّ "الزِنَّارُ" طُهرَ المكانِ
ورَمونِي بالفَألِ والهَذَيانِ
ـحِ وردِّ الكرَّاتِ والطّوفانِ
"قصَّةَ الصَّخرةِ" الضُّلوعُ الثمانِي
وأَجيبِي حبيبَكِ العمَّانِي
صفوان قديسات
عفريت الحارةUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
كان الصبح الباكر أنسب الأوقات للقيام بتلك المهمة، اتخذت مكاني فوق السور متخفيا بأغصان شجرة الزيتون المتشابكة . تسع حبات زيتون غير ناضجة تدلت فوق رأسي ، ومقلاع في يدي ، كانت كافية لانهاء وجود سبع صيصان  كان صوتها يملأ المكان قبل دقائق.
ببطئ  نزلت عن السور ، أخفيت كل ما يشي بفعلتي بكيس أُعدّ مسبقا لهذا الغرض وقذفت به إلى الجانب الآخر من السور ثم بدأت بالصراخ : يا جيران ... يا جيران . أطلت المرأة برأسها من النافذة :
- ماذا دهاك أيها الولد الشقي ؟ ماذا حدث؟
- التهمت القطة جميع صيصانكم.
- تبا ... لن يصدق صغيري ما تقول.
أغلقت النافذة بعنف وأخذت تنادي ابنها بينما تسلقتُ السور عائدا إلى البيت.
في البيت كان كل شيء يبدو هادئا وعاديا . فكرت في ما يمكن عمله لكسر الجمود فوقعت ذاكرتي على ذلك القوس الذي صنعته الشتاء الماضي، تناولته وغادرت المنزل مسرعا، قاصدا المقبرة لجمع سيقان العوصلان اللازمة لصناعة السهام والتي عادة ما كانت تنبت فوق القبور.
كل شيء في المقبرة كان  يشير إلى أن المطر قد تأخر، العشب اليابس، الصمت الجاف، وقبر جدي الذي لم  يكن موجودا هناك بعد. لم أجد عوصلانا . عدت كما أتيت، لكن مبطئا هذه المرّة. على جانب الطريق، قريبا من المقبرة، توقفت قليلا عند ذلك القبر الشارد. قال جدي إن صاحبه كان رجلا صالحا، طار به النعش من المقبرة ودفن في المكان الذي هبط فيه. اقتربت من القبر ، لمسته ، ثم تأملته طويلا.
قليل من الهدوء جعلني أعي ما أريد ...
اتجهت بكل سرعتي إلى البيت، غافلت أمي وأخذت من خزانتها قطعة قماش حمراء وخيطا وخرجت. في "الحاكورة" خلف بيتنا وقفت أمام شجرة التين، وقع اختياري على أطول الأغصان وأكثرها استقامة وصلابة، تناولته وفصلته عن جذع الشجرة ، ربطت عليه قطعة القماش ، وانطلقت لجمع أولاد الحي.
تقدمتهم حاملا الرّاية. بدأنا المسير مرددين ذات العبارات التي كنا نسمع الكبار من الفلاحين يردّدونها كلما تأخر المطر عن موسمه، وأخذنا نقلد طقوسهم لاستجلاب المطر.
كلما دخلنا أحد بيوت الحي كان يخرج أحدهم حاملا كأس من الماء يرش به الراية "الشرشوح" ، الأمر الذي كان يعلو به صراخنا وغناؤنا، وهكذا حتى جاء دور الجيران، كانت شهقة ابنهم المدلّل تتناهى إلى مسامعنا. عندما أطّل رأسها من الباب، حملقت المرأة في وجهي بغضب وقالت : أيّ شقيّ أنت أيها الولد، لا تأتي المصائب إلا من تحت رأسك، أنت من أفسد أولاد الحي، اذهبوا قبل أن أحضر العصا.
عمّنا السكون لحظة، وعدنا أدراجنا متابعين الغناء بصخب أكبر حتى انتهائنا من آخر البيوت.
بعد آخر الطقوس، تجمعنا ثانية  وقصدنا قبر الرجل الصالح – بدلا من المقبرة هذه المرّة – رافعين الراية. في الطريق انضمّ إلينا المجنون العجوز، ما أثار الرعب في نفوسنا، لما يقال عنه من قدرته على مخاطبة الجان بتلك اللغة التي لا يفهمها أحد سواه.
تابعنا المسير وقد علا صوته المتهدّج بلغته المخيفة ، فيما خفتت أصواتنا المرتجفة. عندما وصلنا، تناول مني الراية وزرعها بمحاذاة القبر ، ثم صعد فوقه، وأمام دهشة الجميع نزع سرواله وأخذ يتبول على قطعة القماش ويضحك بصوت مرتفع.
صُعِق الجميع لهول ما حدث، وعدنا إلى بيوتنا فرادى تعلونا الخيبة بعد أن أفسد علينا ذلك المخبول كل شيء ...
عند المساء كنت أجلس أمام المنزل، أراقب المارّة، عندما تلبدت السماء بالغيوم ، وبدأ البرد يتسلّل إلى عظامي. أسرعت إلى البيت، تناولت بطانية دفنت بها جسدي، واستلقيت في فراشي مستمتعا بنقر حبات المطر على النوافذ، أتخيل المقبرة وقد ملأها العوصلان بسيقانه الطويلة النحيفة التي سأصنع منها اقوى السهام. ذهب خيالي بعيدا حيث تقدّمت الأولاد بقوسي وجعبة سهامي، نتعقّب قطط الحي نقنصها الواحدة تلو الأخرى.
في الصباح استيقظت على صوت ينادي باسمي تزامن مع طرقات كثيرة وقوية على باب بيتنا. فتحت أمي الباب ، ودعت أحدهم إلى الدخول بسرعة، فقد كان الجو باردا والمطر ينزل بغزارة. نهضت من فراشي بشكل آلي لأستكشف هويّة الزائر. كانت الجارة، تحمل بيدها دجاجة، نظرت إليّ بعينين ملأهما حب عميق، غمزت أمي وقالت : هذه الدجاجة المسكينة التي أكل القط صيصانها، لقد قرر ابني أن يهديها إليك. عندما يتوقف المطر اذهب واشتري لها البيض لترقد عليه، ولكن عندما تفقس البيضات إحذر من أن يأكلها القط ثانية، ثم ضحكت بحنان واستأذنت أمي بالرحيل.
انتظرت أن يتوقف المطر طويلا لكن دون جدوى، وعندما نفذ صبري، تجاهلت ممانعة أمي وذهبت لشراء البيض.
تحت المطر الغزير، أعددت قنا للدجاجة ، وتركتها ترقد على البيض ، ثم دلفت إلى المنزل، وبين وقت وآخر كنت أتفقدها، حتى حلّ الظلام، فشعرت ببرد شديد أرغمني على الاحتماء بالفراش، حيث كان الدفء يضيء لي مسارج الخيال : رأيت الصيصان بألوانها الزاهية تتراكض خلف أمها، يملأ صوتها العشوائي خلايا المكان، بينما أرش لها الحبوب فتحيط بي من كل جانب تلتقط طعامها.
في الصبح الباكر استيقظت بعد ليل متخم بالانتظار. نهضت من فراشي على عجل، فتحت الباب، كان الجو شديد البرودة. اتجهت صوب قن الدجاجة، هناك كان كل شيء يبدو هادئا وعاديّ، حتى أنني لم أسمع أي صوت يأتي من الداخل. رفعت غطاء القن، وكان ما لم أتوقعه، الدجاجة تستلقي متيبسة إلى جانب البيض وقد ماتت بعد أن تسرب إليها المطر من السقف، بينما أمست البيضات مثل كتل الثلج بفعل البرد القارص.
عامر ملكاوي
لا يهود في القدسUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
الماء مالح جدا، نَفـَسي يضيق وعيناي تلتهبان، أنا الحي الوحيد في هذا الماء، محاط بالموت من كل جانب، بل محاط باللاحياة أصلا. لكنّ الضفة الأخرى تقترب، هي الحي الوحيد الذي أشعر به.
"ستعبر الجزء الأكبر من البحر في قارب صغير، خط عبورك هو أضيق مسار متاح، اقفز حين تشعر أنك قادر على المواصلة سباحة، هذا الجزء هو الأصعب في العملية ".
إنه جزء صعب فعلا، لكنه ليس الأصعب. ها هي حجارة الضفة الأخرى مصقولة لامعة، الزمن يُليّن حتى الحجارة، وها هو الرمل الذهبي يفترش الشاطئ، هذا الرمل ليس صحراويا، لا يسافر، أراهن أن كل حبة في مكانها منذ خُلِقت. وهذه الشجيرات ترسل خضرتها بخجل، توقن أن المشهد لا يحتملها، لكن البقاء هنا فضيلة. كل شيء كما هو، أنا الوحيد الذي ذهب وعاد، وكل شيء بقي.
"بعد أن تصل.."
... قد وصلت، ها أنا أخترع بوابة الرجوع إلى الماضي، عمر عبرته عائدا في دقائق، لو يعلمون كم كان الذهاب شاقا لأيقنوا أن العودة عبر البحر – ولو سباحة – أيسر جزء. لو عرفوا كم كبرنا ونحن نعبر ذاهبين، وكيف صارت أعمارنا تتوالد بوحشية، لو عرفوا كيف فككت الرحلة أرواحنا وأعادت تشكيلها مسوخا مشوهة.. لو عرفوا.. ولو عرفوا.. لأيقنوا أني أنهيت للتو نزهة!
"بعد أن تصل الضفة الأخرى.."
بل قولوا الدنيا الأخرى، قولوا الكون الآخر، قولوا الماضي الحلم الذي تلفـَّت خلفه ونحن نبتعد، فتجمد مكانه ومضينا نحن. ليتنا تلفـَّتنا مثله وتجمدنا معه.
"بعد أن تصل الضفة الأخرى، ستسير نصف ساعة نحو الغرب، تجد بستان نخيل، اعبره، يواجهك شارع واسع، اركب في أول حافلة متجهة نحو القدس. لا تحفل بأحد. تذكّر.. في القدس، مجرد كونها في القدس رمزية مقصودة".
هذا هو الجزء الأصعب، أن أجلس بينهم ولا أحفل بهم. هل سيصبر الموت عنهم؟ كيف والموت مطلب لتستقيم الحياة؟ كيف؟
ها هم حولي، لحن نشاز في سيمفونية رائعة، بقع داكنة لطّخت أجمل لوحة. حتى حين يسرقون حصتنا من هذه الشمس لا تعرف بشرتهم كيف تسمرّ. وحتى حين يبلعون ماءنا لا تتقن حناجرهم "العتابا و الميجنا". يرون في هذه الحسناء ما نراه، ولا يحسنون تشكيلها قصيدة مثلنا. جداتهم حين يكبرن،لا يشبهن زيتونة رومية، لا تتجعّد ملامحهن مثل تعاريج الجذوع، ولا تنسدل أثوابهن كفروعها في تشرين. أطفالنا حين يلعبون "الطمّاميّة" تعرفهم المغارات و"السناسل" وفروع التين. أطفالهم لا يركضون في "الحواكير" حفاة، ولا يشربون من "الضحضاح"، لا يلحقون الفراشات ولا ينبشون اللوز من النوّارة.
رفقا بي أيها العمر العائد، رفقا بي أيتها الذاكرة الدافقة نحوي كالطوفان، رفقا بي يا عشرين عاما من الحب والغياب. مهلا يا تلال القدس مهلا، فجوات الصور والأطياف واسعة، والظمأ قاتل، فتمهلي وأنت تملئين مساحات الحنين. عشرون عاما من الموت كيف أحياها في لحظات؟ رويدك يا أشجار اللوز والزيتون، لا تثقلي اللقاء كما أثقلت البعاد. دعيني اتأملك شجرة شجرة، فرعا فرعا، ورقة ورقة.. دعي مساحة للقبل بين الصور، وللعذر بين العتاب.. امنحيني هواء أتنشقه لا هواء يعصف بي.. إيه يا أسوار القدس، دعي روحي تقف على قدميها، فقرب مثلك يحرم الانحناء، دعيني أعد أحجارك وأسمّع نقوشها.. وربّك ما نسيت، وربّك ما نسيت.
قفوا بنا عند "سلوان" لأقسم له أني ما سلوت. أمي سلوانية، علمت أبي الغزل، ولو من وراء حجاب. قال لي يغازلها : تزوج سلوانية، ستحب القدس أكثر. كانت تسمع غزله، وعلى عادة صبايانا لا تردّه عليه، مع أنها تحبه، و"تموت فيه".
إيه يا أسوار القدس العتيقة، ما أجمل موعدك المضروب مع الشمس، ما أجمل أشعتها تداعب السور الشرقي وتقرؤه، أخبريني يا حجارتها  كيف تتقنين الحياة والبقاء. أخبريني كيف تـَعشق الأحجار، أخبريني كيف تدونين أسماء الباقين والعابرين، أعيدي على مسمعي أبجديتك، شاركيني حديثك مع الشمس كل صباح، مع النجوم كل ليل.
ها هي الحافلة تتوقف، وخفقان القلب يشير إلى باب العمود، ياللحجارة الرمادية، رمادية كالمرأة الحسناء، لا تقول نعم ولا تقول لا. وها هو الدرج العريض، أخطو بين كل درجتين، وكأن خطوتي لم تكبر منذ عشرين عاما، أو لعله يكبر معنا ولكن لا يشيخ. هذه الرائحة التي تسير بي، أعرفها تماما. الكعك البلدي المستدير والمستطيل مع الزعتر المملح... ما أشهاه، طعمه كما هو... وعشقنا يزيد.
البوابة عالية، عشرون عاما لم تقربني منها كثيرا، وتنفتح بعدها دروب القدس القديمة. مزيج من التاريخ والجنة، متاهة لا يضيع فيها أحد، إبحار في حقيقة ملتبسة بخيال، أو خيال ملتبس بحقيقة. أسير والحي المسيحي إلى يميني، وحيّ المسلمين إلى يساري، وطيفا "أمل" و"فيولا" يطبقان على صدري.
كانت "فيولا" تطل من خلف الباب الذي يعلوه الصليب. رأسها حاسر، وشعرها ذهبي منسدل، يغطي كتفيها، وثوبها الأسود المطرز يضيق عند خصرها، نظرات نفـّاذة، يدان تتحركان كأنهما في عزف على آلة خفية.
 "أمل" يغطي رأسها منديل موضوع على عجل، يُظهر خصلات شعرها الأسود، وجهها معجون بالخجل، وعيناها بريئتان، لو طلبت مني أن أقتلع حجرا من السور مقابل قبلة لفعلت. كانت فيولا أجمل، لكن أمل كانت أكثر حضورا. رأيتهما مرة تقفان معا في الزقاق، احمرت وجنتا أمل وانكسرت عيناها، ونظرت فيولا نحوي بابتسامة خجولة. مشيت نحوهما وقلت: سأتزوجكما معا.. وركضت هاربا. كم طلبت من أبي أن نصلي في الأقصى لأراهما، وحين نفعل، أستغفر ربي، وأبتسم.
محلات الملابس تملؤ الزقاق، الثوب الفلسطيني ساحر، ولولا جمال صبايانا لانشغلنا عنهن بجمال الثوب. مطرز مزركش، عابق بالفرح. حين نكون هنا، نتقن الفرح حتى ونحن نموت، وحين نبتعد، نصبح شعراء حزن وغربة. التحف والمنحوتات آيات في الجمال وخفة اليد. لا أحد يملك مثل أيدينا، تتقن الضرب بالفأس وحمل السلاح، وفي المساء تصنع من عجم الزيتون مسبحة، وتنقر على "الدربكّة". هنا يعبق الشاي بالنعنع والميرمية، وهنا في مطعم "الهـِدْمي" كان آخر صحن حمص، من يومها لم أذقه. هنا الحلاوة الطحينية المرصعة بالفستق، وهنا العسل بشمعه، وهنا مكعبات الراحة والسمسمية.. كم كان دهرنا حلوا!
كبرنا يا أزقة القدس، وأنت صبية. قامت في داخلنا ألف هزيمة وخبت ألف ثورة، وأنت أنت.. ليتك تخوضين حروبنا، لكنا انتصرنا منذ دهر. ليت روائحك وأضواءك تنساب في أرواحنا ونشربها بدل الماء. ليت عظامنا من حجارتك، وليت لحمنا من ترابك الأحمر.
باب الغوانمة، أمامي بكبريائه، أعبره إلى ساحات الأقصى، حيث الرخام يفترش الأرض، والجلال يفترش السماء. والسرو وقطع النجيل هنا وهناك. ومن بين الأقواس، على عرشها الرخامي المهيب، تتكئ قبة الصخرة. بوابة السماء، وقبتها الصفراء أخت الشمس. كم نظرنا نحوها في صبانا صامتين، وما أشق أن يصمت صبي. كم أعيانا أن نميز جوانبها، فلم نكن نعلم أن بوابة السماء أكبر من الجهات. كم تأملنا نقوشها وسمعناها تسبح، كم شدتنا زخارفها وهي تصلي. دنيا من الأضواء والنور تحت القبة، نرفع إليها رؤوسنا وندوخ. حتى الكبار يدوخون...جرينا هنا حيث صلى الأنبياء، والكبار يردعوننا ونأبى، كنا نؤمن أن الأنبياء يحبون شغب الصغار.. لكننا حين ننزل تلك الدرجات، تحت تلك الصخرة التي عرج عبرها النبي عليه الصلاة والسلام، كانت تغشانا رعشة، نصمت ونخشع، ودون قصد نرفع أبصارنا إلى السماء.
من ناحية القبلة، أسير نحو المسجد، أنزل الدرج، قبته رصاصية، نظرتها جادة. كنت أرى في القبة أمي وفي المسجد أبي. أقترب منه، يفتح ذراعيه وأقواسه، زدتَ مهابة يا أبي... وحنانا. كل زواياك أعرفها، كل أعمدتك أحفظها، ركضت بينها وصليت خلفها وقبلت أقدامها. سقفك عال، ونحن.. محرابك خاشع.. منبرك يهتز، نور الدين في محرابك لحيته مبللة، وصلاح الدين على منبرك والسيف مشهر، والحب فائض دفاق، موشـّى بعزة.
***
طرقتُ باب القائد في آخر الليل، فتح الباب، فتصلّبت ملامحه وجحظت عيناه، أدخلني مذعورا،  بصوت مكتوم صرخ : ماذا فعلت؟.. انتظرنا أخبارك طول اليوم.. ألم تصل القدس؟
ــ  بلى.. أنا فيها منذ الصباح..
تراجع وسقط على الأرض.. تنهد بأسى مذبوح :
= كنتَ في القدس.. ولم تقتل يهوديا واحدا؟
ــ ولكن... لا يهود في القدس!!..
همّام يحيى
يا لها من لحظاتUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
يا لها من لحظات تك التي تعتريك عندما تفكر في خلاصة مشاعرك الملقاه على كاهل الورق أترى أين ستكون بعد أن تفارقه؟ ربما ستحرق حفاظا على أسرار الميت أو تهدى لصديق إن كنت تملك صديق أو تبقى كجثتك الهامدة مرسى للغبار كم كبيرة هي الأحلام التي تولد مع الإنسان وربما تقاسمه آخر نفس أترى أتدفن هذه الأحلام مع جثة صاحبها أم تطير بعيدا في ثنايا المطلق؟.
ستعبث يد العدم بأحلامي وستنهيها يوما سأموت أدرك هذه الحقيقة وأدرك أن البعض أساء فهمي فظنني ملاكا والبعض الآخر أساء فهمي فظنني شيطانا ولكن في النهاية لم يفهمني أحد .
 
يسرى خضر طلب أبو غليون
أجمل من الاحلامUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
إحتل الصمت المكان, كل شيء ساكن, لا شيء يتحرك سوى عقارب الساعة التي
تقترب من اجتياح الواحدة بعد منتصف الليل. امعنت في السكون, حاولت أن اسمع صوته, أن أصغي لوقع خطاه فصوته الخافت ينقر في أعماق جمجمتي صوت ساكن وهادىء وقوي .تساءلت, اين يذهب السكون في فوضى النهار ؟هل لي ان أسمع صوته أثناء معركة النهار؟ ولكني اسمعه الآن بوضوح صوت خافت يغري بالنوم والأحلام.أحب النوم لسبب واحد :للأحلام,حيث أطلق العنان لمخيلتي بأن تسافر حيث تشاء دون هوية أو جواز سفر.
تمددت في مضجعي مهيأ نفسي لنوم شتائي عميق ولكن, ارتطمت مقلتاي الناعستان بتلك الصورة,ظننت أني أراها للمرة الأولى ,امعنت النظر فيها ,لم تتغير هي هي مذ عرفتها لا تشيخ ولا تصغر .لاتتغير الوانها ولا تتغير نظرتي إليها , وددت لو أطيل التأمل في تجاعيد وجهها لكن النعاس غلبني ووجدت نفسي أرفع الراية البيضاء لأغرق في عالم ليس لي فيه سوى ذكرى.
رأيت فيما يرى النائم أني في القدس, فوق أرضها وتحت سماءها بين أهلها ومستوطنيها. وكانت القدس هناك كلها :بعزتها وقبابها وتاريخها وكنائسها وآلامها وكنت أيضا.تجولت في شوارعها والتقطت بعض الصور للذكرى كان الحلم جميلا إلى أن منعني أحد المستوطنين والذي لم يبلغ العشرين من دخول الحرم القدسي للصلاة بحجة أني لم أبلغ الخامسة والأربعين .حاولت الدخول قسرا لكنه دفعني ففزعت وأفقت من النوم مذعورا خائفا بل إني لم أصدق بأن هذا الكابوس قد انتهى فتلفت يمنة ويسرة لأتأكد أن المجند لم يتبعني ولكني لم أر إلا تلك الصورة هادئة مبتسمة وكأنها تسخر من جبني!
توجهت للمطبخ شربت كأس ماء أحسست بشىء يعتور حلقي ويضرب مقدمة رأسي فعدت لفراشي لأكمل رقادي لكني تفاجأت بنفسي قد كبرت  عشر سنين , لم ألق بالا لهذا التغير المفاجيء بل أمعنت النظر في الصورة المقابلة لي كانت أمام ناظري لكن ليست لي ليس لي منها سوى أحلام مرة وواقع أمر حاولت أن أعيد النعاس للواحظي لكنه عاد بغير ما جهد فسقطت نائما آملا أن يكون ما سيكون أجمل من ما مضى. وفعلا وجدت نفسي هناك في القدس كنت موقنا بأني لن أحظى بصلاة في ذاك المسجد الذي بدت لي تشققاته واضحة المعالم من بعيد حاولت الإقتراب من الحرم لكن ذات المجند الذي لم يكبر مذ عرفته منعني من الصلاة في الحرم فحاولت الدخول بالقوة فأشهر رشاشه اللامع في وجهي الأشهب فكان لزاما علي أن أنهي حلمي قبل أن أصاب بأذى .صحوت مذعورا لاهثا مضطربا ولكن سرعان ما هزئت من جبني عندما بدت لي تلك الصورة.
النوم هو سبب هذه الكوابيس المزعجة التي ما برحت تقتل كل بارقة أمل في مخيلتي ,لن أنام بعد اليوم لن أنام حتىأبلغ الخامسة والأربعين عندها سيتسنى لى أن أحلم بالصلاة في ذاك المسجدتوجهت للمطبخ وصنعت كوبا من القهوة المرة شربته كاملا عله يقهر ذاك النعاس النلازم لوجودي.
جلست على الارض حاضنا لتلك الصورة مغرقا إياها بدموعي بكيت وبكيت حتى انتحبت ولم يخرجني من حالة البكاء تلك سوى التغيير السريع في عمري فقد صرت كهلا كبرت كثيرا فقد أصبح عمري اكبر من سني نكستها بل ونكبتها ضحكت بهيستيرية فلم يبق لذاك المجند الذي لا يشيخ حجة سأصلي هناك متأكد أنا فعمري سيخولني الصلاة في الحرم رغما عن أنف المجند ذو العشرين خريفا حاولت ان أنام لكن صعب علي النوم من فرط السعادة فبقدر حلاوة اللقاء صعب هو الإنتظار أحقا سأصلي هناك؟وأقبل ارض المسجد؟ولكن ماذا لو لم يف ذاك المجند بوعده؟لا يهم سأقاومه وإن قتلني سأدفن في القدس وستضمني ستضمني بعنف حتى تتلاقى أضلاعي
وسأكون سعيدا بهذا العناق بقيت أهذي بهذة الكلمات حتى رأيت نفسي في مدينة تشبه القدس ذات ملامح عربية لكن لا شيء فيها عربي تلفت يمينا ويسارا وشمالا وجنوبا علي أجد الحرم أو ذاك المجند ولكني لم ارإلا أناسا مألوفي الملامح يؤوبون ويذهبون  فلملمت ما تبقى لدي من قوة وسألت أحد المارة عن ذاك المسجد فأجابني بلغة مكسرة بأنه قد هد من زمن ليس ببعيد وأنهم سيقيمون مكانه حديقة عامة لاستقطاب السياح رجعت أجر أذيال خيبتي وفتحت عيناي على تلك الصورة ولأول مرة يكون الواقع أجمل من الأحلام.
 
يسرى خضر طلب أبو غليون
أقلامنا ليست للإعارةUse SHIFT+ENTER to open the menu (new window).
أما أنا فشاب في التاسعة عشر من العمر، مهووس بالأدب والثقافة ويرى فيهما مرآته الصادقة وكان أول عهدي ب"أقلام جديدة" حينما كنت حديث الانتساب للجامعة الأردنية "الأم"، وقتها قدّم لي أحدهم   العدد الثاني عشر من المجلة ولم يمض حينها على صدوره سوى أيام قليلة، فأخذت العدد ومضيت إلى منزلي ولم تغادر عيناي عنوان المجلة طوال فترة ركوبي الحافلة، أذكر حينها أن حجم الأسئلة التي ازدحمت في مخيلتي وأنا أفكر في العنوان قد أصبح أكبر من أن أجيب عن معظمها، إلا أن السؤال الأهم الذي راودني على امتداد المسافة إلى المنزل هل كان حبر هذه الأقلام "قديما"؟! وهل هنالك حقا من يهتم بإبداعنا ويسعده نشر كلامنا المتواضع؟!... وتخوفت أن يكون كل ذلك "كلاما فارغا" مما اعتدنا عليه من التنظير "والضحك على اللحى"....
ولا أنكر أنني وجدت إجابة أسئلتي وأنا أقلب صفحات المجلة كالقارئ النهم وحالات من الشغف والإثارة تنتابني على نحو لم أعهده مسبقا، وما إن انتهيت من قراءتي للمجلة حتى أمسكت قلمي وأوراقي بثقة وكتبت على رأس الورقة بالخط العريض "أقلام جديدة...بحبر غال" وذكرت في مقالتي أني لم أستطع وصف هذه المطبوعة وصاحب فكرتها ولم تتح لي أدواتي مدح هذه المغامرة الشائقة والإدارة التي تبنت إصدارها من جامعتنا الأبهى، على أنني رغم ذلك أقنعت نفسي بأن حروف اسمي ستسطر في زوايا هذه المجلة يوما ما!، وأوصلت مقالي إلى المجلة، لتختفي التكهنات بعد مدة قصيرة حينما رأيت المقال ذاته على صفحات العدد التالي من المجلة واسمي مسطر على زاوية المقال في الأعلى؛ ولم يصل لاعتقادي يوما بأن ينتقل اسمي من ركن المقال إلى ركن أعضاء هيئة التحرير في الصفحة الأولى خلال فترة وجيزة وبفضل سيدة ملهمة وأكاديمية جادة مثابرة ترعى إبداعنا على الدوام مذ عرفناها، أما الحديث عن عضوية هيئة التحرير فهو طويل شيّقٌ ممتع وصعب ولا أعتقد أن صفحات المجلة تكفيه.
غير أني استطردت في مقالي سابق الذكر إذ لم تكن المرّة الأولى التي أقرأ فيها أدبا جديدا أو أتابع كتابات لأقلام يافعة تشق طريقها بألم التجاهل وجرحه ووجع الأحلام الغامضة وإعياء التأمل في مستقبلها القادم،لكنها بلا شك المرة الأولى التي أرقب فيها اهتماما حقيقيا واقعيا بأنامل جيل شاب مليئة بعرق جبينه وتأوهات استجدائه للوحي الأدبي. وأنا إذ أجزم أن كل حديثي الفلسفي السابق مرتبط بلا شك بمبدأ احترامنا للقلم وقداسته؛ فأنا شخصيا لا أحبذ إعارة قلمي للآخرين، لا بخلا بالطبع وإنما خوفا مما سيلي خيار الإعارة من محاولة للاستيلاء على القلم بشكل أو بآخر ولعلمي بأني أضعف من أن أطالب باستعادته رغم مشاعري الجارفة نحوه، وكلما كان القلم حديث الانضمام لأناملي أصبح موضع الرعاية والاهتمام؛ فأحاول جهدي أن يبقى قريبا مني، بعيدا عن أيدي من يحاولون اقتناصه واستعارته بلمح البصر لتغيير صنف حبره أو شكل خطه، وأنا أعرف تمام المعرفة بأن القلم الجديد (رصاصا كان أم حبرا) بحاجة لأن نتعهده بالاحترام والرعاية المستمرة وأن نخلص باستخدامه في الكتابة اللبقة النبيلة مما سينعكس إيجابا على جودة المنتج الإبداعي الأدبي.
ولا بأس من إسقاط حديثي على الأقلام الجديدة "البشرية" التي تأخذ مكانها اللائق المشرّف في الساحة الثقافية رغم شح الموارد وضعف الإمكانيات حولها وهي أحوج ما تكون لمن يمدها بالدعم والمتابعة ويمهد لها الطريق نحو الإبداع لتتجدد دماء النهضة الفكرية في شرايين الأمة؛ وبعيدا عن الصور الفنية، فحدوث النهضة واستمرارها سيصبح مسألة وقت ليس إلاّ؛ عدا عن أن إعارة هذه الأقلام الشابة والتفريط بها وتهميشها هو استغناء "مشبوه مرفوض" عن جيل كامل يحاول الحصول على أدنى حجم من الثقة بمن حوله.
وعودا على بدء فأنا أعتقد جازما أن فلسفة المطبوعة الزاهرة التي بين أيديكم لا تبتعد مطلقا عما ننشده، فهي مذ بدأت لم تكف أعينها عن أي ملمح إبداع قريباً كان أم بعيداً، وما زالت على عهد من تأملوا بها خيرا تفتح صفحاتها لكل الأقلام الجديدة وتتطلع لمزيد من التقدم والرقي بهم ومن خلالهم وتتخذ من رعايتهم ومتابعتهم مسؤولية وسياسة لا ترضى أن تتخلى عنها.
رفضنا لإعارة أقلامنا يا سادتي ليس عيبا؛ المعيب فعلا أن نتجاهل عن "ضعف غير مبرر" صرخات أقلامنا وهي تغادر أيدينا على غير رغبة منها وبلا حول لها ولا قوّة، عندها فقط سنعرف أن إعارة القلم ستتلوها قطعا إعارة للأوراق وباقي "قرطاسيتنا" تباعا؛ هذا ما تقوله التجربة......!
عمر العطيات